السيد الطباطبائي

323

تفسير الميزان

حيث قال ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ) البقرة - 129 ، فتكونون أمة مسلمة أودع الرسول في قلوبكم علم الكتاب والحكمة ، ومزكين بتزكيته ، والتزكية التطهير من قذرات القلوب ، وتخليصها للعبودية ، وهو معنى الاسلام كما مر بيانه ، فتكونون مسلمين خالصين في عبوديتكم ، وللرسول في ذلك القدم الأول والهداية والتربية ، فله التقدم على الجميع ، ولكم التوسط باللحوق به ، والناس في جانب وفي أول الآية وآخرها قرائن تدل على المعنى الذي استفدناه منها غير خفية على المتدبر فيها نبينها في محله انشاء الله . فقد تبين بما قدمناه : أولا ، أن كون الأمة وسطا مستتبع للغايتين جميعا ، وأن قوله تعالى : لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا الآية جميعا لازم كونهم وسطا . وثانيا : أن كون الأمة وسطا إنما هو بتخللها بين الرسول وبين الناس ، لا بتخللها بين طرفي الافراط والتفريط ، وجانبي تقوية الروح وتقوية الجسم في الناس . وثالثا : أن الآية بحسب المعنى مرتبطة بآيات دعوة إبراهيم عليه السلام وان الشهادة من شؤون الأمة المسلمة . واعلم : أن الشهادة على الأعمال على ما يفيده كلامه تعالى لا يختص بالشهداء من الناس ، بل كل ما له تعلق ما بالعمل كالملائكة والزمان والمكان والدين والكتاب والجوارح والحواس والقلب فله فيه شهادة . ويستفاد منها أن الذي يحضر منها يوم القيامة هو الذي في هذه النشأة الدنيوية وأن لها نحوا من الحياة الشاعرة بها ، تتحمل بها خصوصيات الأعمال ، وترتسم هي فيها ، وليس من اللازم أن تكون الحياة التي في كل شئ ، سنخا واحدا كحيوة جنس الحيوان ، ذات خواص وآثار كخواصها وآثارها ، حتى تدفعه الضرورة فلا دليل على انحصار أنحاء الحياة في نحو واحد ، هذا إجمال القول في هذا المقام وأما تفصيل القول في كل واحد واحد منها فموكول إلى محله اللائق به . قوله تعالى : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن